الثلاثاء، 6 يناير 2015

مد رجلك لا يدك !



يوماً بعد يوم تزداد قناعتي بأن العلم والإيمان سلاحان لا يصدآن أبداً , وأنهما أيضاً متلازمان
لا ينفكان عن بعضهما البعض , فالعلم بلا إيمان بإمكانه أن يثمر ولكن ثمرته بلا قيمة سماوية
والإيمان إذا لم يجد علماً يحثه ويرشده على العمل أصبح ضعيفاً , 
وهذا يقودني إلى قول
 الله تعالى : ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ
 )
أي يرفع الله المؤمنين منكم أيها القوم بطاعتهم ربهم ، فيما أمرهم به من التفسح في المجلس
 إذا قيل لهم تفسحوا أو بنشوزهم إلى الخيرات إذا قيل لهم انشووا إليها ، ويرفع الله الذين
 أوتوا العلم من أهل الإيمان على المؤمنين الذين لم يؤتوا العلم بفضل علمهم درجات
إذا عملوا بما أمروا به ( الطبري ) .
وقال ابن عباس رضي الله عنهما : للعلماء درجات فوق المؤمنين بسبعمائة درجة
ما بين الدرجتين مسيرة خمسمائة عام .


وقال صلى الله عليه وسلم : فضل المؤمن العالم على المؤمن العابد بسبعين درجة .
وقال علي رضي الله عنه نظماً :
ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم          على الهدى لمن أستهدى أدلاء
وقدر كل امرىءٍ ما كان يحسنه      والجاهلون لأهل العلم أعداء
ففز بعلمٍ تعش حيا به أبداً              الناس موتى وأهل العلم أحياء

وحينما أعود بالزمن إلى الوراء وتحديداً صباح إحدى أيام الشام الذي لم يكن جميلاً أبداً
فكان كل من فيها مرتاع وخائف ممن سيأتيها ويزورها , وهو رجل عرف عنه البطش
والجبروت ( إبراهيم باشا ) , حيث أعلن أن سيزورعالم الشام الشيخ سعيد الحلبي
ومن لا يعرفه !

رجل لا يقيم وزناً لأحد من أبناء الدنيا , فلا يبجل سلطاناً لسلطانه ولا يوقر غنياً لغناه
ولا يزن الناس ويقيسهم بما يلبسون أو بما يملكون من المال , ولكنه كان يزنهم بما
يملكون من الفضائل في نفوسهم وبإيمانهم في قلوبهم وبما تملكه رؤوسهم من علم .

دخل الباشا المسجد الأموي حيث كان الشيخ يلقي درسه , وكان جالساً على حصير
قد وضعت فوقه حشيه وكان ( ماداً رجله ) ولم يقم ليحييه لا هو ولا تلامذته
وهذا ما دعا للاستغراب والدهشة لدى الملك , وأستفز كبرياءه رجل الشيخ
الممدودة نحوه .

وأكمل شيخ درسه قائلاً ( جزء من الدرس ) :-
ومن عجيب صنع الله في الانسان أن وضع في نفسه الملك , فلا يحتاج مهما كان
ضالاً فاسقاً ظالماً إلا لتنبيه الملك في نفسه , ليطرد الشيطان ويقود الحيوان
فلست أنت الذي يعظه ولكنه حينئذ نفسه .
وختم بـ ( فيا من أصله من التراب , لا تنس أن نهايتك التراب ) .
وأحس الباشا أن شمساً نيرة أنارت له الطريق من حديث الشيخ
وكأنه لم يكن يرى مثلها قط !

عاد الباشا إلى قصره وأمر بأن يرسل للشيخ كيس فيه ألف دينا من الذهب
وذهب الرسول إلى 
الشيخ حاملاً الكيس الثمين في نظر من هم ضعيفين
الإيمان وقليلين العلم , وصل الرسول إلى الشيخ 
وألقى الكيس بين يديه وقال له :
هذا من عند الباشا بعثني إليك كي أسلمك إياه !
تبسم الشيخ رحمه الله وقال : سلم على سيدك
وقل له : إن
من يمد رجله لا يمد يده !

همسة :-
متى يعود الشام شاماً كما كان , ونعود نحن كما كانوا قبلنا !
( جزء من تفاصيل القصة أخذت من كتاب الشيخ
علي الطنطاوي رحمة الله ( قصص من التاريخ ) .



يا من قرأت ما كتبت .. كن مطمئناً .
( وأمطرت ذات صيفٍ )
#عبدالرحمن_معروف !
 16 / 3 / 1436 هـ
7 / 1 / 2015 م
يوم الأربعاء .
1,30 صباحاً .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق